أبي نعيم الأصبهاني
185
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
بذلك فأحببت زيارتك ، فحجبت عن ذلك ، فالتمست مخرج العذر من كتاب اللّه ، فوجدت اللّه قد منحنى ثلاث خصال : أذهب عنى حرج أهلها وبي من الشوق إلى مجالستك ، والاستماع لمحادثتك ، ما لو كان فوقى لأظلنى ، ولو كان تحتى لأقلنى ، فأسألك إلا ألحفتنى جناح المتفضل على بزيارتك والسلام . قال : أبو عامر : فقمت مع الغلام حتى أتى بي منزلا رحبا خربا ، فقال لي : قف حتى أستأذن لك . فوقفت حتى خرج فقال لي : لج . فدخلت فإذا أنا ببيت له باب من جريد النخل ، فإذا أنا بكهل مستقبل القبلة تخاله من الورع مكروبا ، ومن الخشية محزونا ، قد ظهرت في وجهه أحزانه ، وقد قرحت من البكاء عيناه ، ومرضت أجفانه ، فسلمت عليه فرد على السلام ثم تخلخل فلم يطق القيام ، فإذا هو أعرج أعمى مسقام ، فقال لي : متع اللّه بالأحزان لبك ، وغسل من ران الذنوب قلبك ، لم تزل نفسي إليك مشتاقة ، وقلبي إليك تواقا ، وبي جرح قد أعيا الناس دواؤه ، والمتطببين شفاؤه ، فلا قاله أجود الترياق وإن كان مر المذاق ، فانى ممن أصبر على مضض الدواء ، مخافة ما يتوقع من عظيم البلاء . قال : فسمعت كلاما حسنا ورأيت منظرا أفظعنى ، فأطرقت طويلا ثم تأتى من كلامي ما تأتى ، فقلت : يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء فتمثل بحقيقة إيمانك جنة المأوى ، فسترى ما أعد اللّه فيه للأولياء . ثم أشرف بقلبك نارا تتلظى ، فسترى ما أعد فيها للأشقياء ، شتان ما بين المنزلتين والدارين شتان ، أليس الفريقان في الموت سواء . قال : فأن أنة وزفر زفرة والتوى ثم قال : قد وقع دواؤك على دائى ، وقد علمت أن عندك شفائي . زدني يرحمك اللّه . فقلت : إنه عالم بخفياتك ، مطلع على سرائرك . قال : فصرخ صرخة خر ميتا . فإذا أنا بجارية قد رفعت العباءة عليها جبة من صوف قد أقرح السجود حاجبيها وأنفها ، فلما نظرت إلى قالت : أحسنت يا هادي قلوب العارفين ، ومثير أحزان المحزونين ، لا أنسى لك هذا الموقف رب العالمين . هذا أبى مبتلى منذ عشرين سنة : صلى حتى انحنى ، وصام حتى أقعد ، وبكى حتى عمى ، وكان يتمناك على ربه عز وجل ، ويقول . سمعت كلام أبى عامر